محمد بيومي مهران
141
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
تَعْقِلُونَ » ، وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر ، وغيظ النفس ، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف » . وعند ذلك أخذتهم العزة بالإثم « قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ » ، فيا لها من آلهة ينصرها عبادها ، وهي لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا تحاول لها ولا لعبادها نصرا ، ولكن كلمة اللّه العليا ردت على كلمتهم « حرقوه » ، فأبطلت كل قول ، وأحبطت كل كيد ، لأن كلمة اللّه العليا لا ترد « قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » . وأما كيف لم تحرق النار إبراهيم ؟ والمشهور المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية ، فلا نسأل عن ذلك ، لأن الذي قال للنار : كوني حارقة ، هو الذي قال لها : كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول ، مألوفا للبشر أو غير مألوف ، وعز من قال « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » . ومن عجب أن يحاول بعض المؤرخين الإسلاميين كما أشرنا في الجزء الأول من هذه السلسلة « 2 » ، أن يقدموا لنا قصصا تدعو إلى العجب في هذه المواقف الجادة ، فيرون أن « نمرودا » - وهو الملك المعاصر لإبراهيم فيما يقولون - أمر بجمع الحطب ، حتى أن المرأة العجوز كانت تحمل الحطب على ظهرها ، وتقول : « اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا » ، وحتى أن المرأة لتنذر إن بلغت ما تريد أن تحتطب لنار إبراهيم ، وأن أمه نظرت إليه في النار ، فطلبت أن تجيء إليه فيها ، على أن يدعو إبراهيم ربه ألا يضرها شيء من حر النار ، ففعل ، وهكذا ذهبت إليه فاعتنقته وقبلته ، ثم عادت وقد
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 2384 - 2388 . ( 2 ) انظر : محمد بيومي مهران : دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الرياض 1980 1 / 129 - 134 .